القرطبي

106

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

لام العاقبة ، أي ولله ما في السماوات وما في الأرض ، أي وعاقبة أمر الخلق أن يكون فيهم مسئ ومحسن ، فللمسئ السوءى وهي جهنم ، وللمحسن الحسنى وهي الجنة . قوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش الا اللمم ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش ) هذا نعت للمحسنين ، أي هم لا يرتكبون كبائر الاثم وهو الشرك ، لأنه أكبر الآثام . وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي ( كبير ) على التوحيد وفسره ابن عباس بالشرك . ( والفواحش ) الزنى : وقال مقاتل : ( كبائر الاثم ) كل ذنب ختم بالنار . ( والفواحش ) كل ذنب فيه الحد . وقد مضى في ( النساء ( 1 ) ) القول في هذا . ثم استثنى استثناء منقطعا وهي : المسألة الثانية - فقال : ( إلا اللمم ) وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه ( 2 ) الله وحفظه . وقد اختلف في معناها ، فقال أبو هريرة وابن عباس والشعبي : ( اللمم ) كل ما دون الزنى . وذكر مقاتل بن سليمان : أن هذه الآية نزلت في رجل كان يسمى نبهان التمار ، كان له حانوت يبيع فيه تمرا ، فجاءته امرأة تشتري منه تمرا فقال لها : إن داخل الدكان ما هو خير من هذا ، فلما دخلت راودها فأبت وانصرفت فندم نبهان ، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! ما من شئ يصنعه الرجل إلا وقد فعلته إلا الجماع ، فقال : ( لعل ( 3 ) زوجها غاز ) فنزلت هذه الآية ، وقد مضى في آخر ( هود ( 3 ) ) وكذا قال ابن مسعود وأبو سعيد الخدري وحذيفة ومسروق : إن اللمم ما دون الوطئ من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة . وروى مسروق عن عبد الله بن مسعود قال : زنى العينين النظر ، وزنى اليدين البطش ، وزنى الرجلين المشي ، وإنما يصدق ذلك أو يكذبه الفرج ، فإن تقدم كان زنى وإن تأخر كان لمما . وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله كتب

--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 158 ( 2 ) في ب : ( سلمه الله ) . ( 3 ) راجع ج 9 ص 111 ، ففيه بيان الاجمال في هذا الحديث برواية أخرى .